الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
198
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
جدا ثم الظاهر أنه لا إشكال أيضا في عدم كون وجوب المقدمة على فرض ثبوته أصليا لوضوح أن الخطاب بالمقدمة ليس عين الخطاب بذيها ولا جزئه ولا خارجه اللازم بحيث يفهم من مجرد اللفظ الدال على وجوب شيء وجوب مقدمته حتى يندرج في الدلالة الالتزامية اللفظية لوضوح جواز الانفكاك بينهما بحيث لا مجال للريب فيه فالظاهر أن القائلين بالوجوب لا يقولون به وهو مع وضوح فساده ليس في شيء من أدلتهم ولا المعروف من كلماتهم المنقولة في المسألة دلالة على ذلك يوجه وما قد يتخيل من دلالة بعض ما ذكروه على ذلك قد عرفت ما فيه فلا وجه لجعل النزاع في المسألة في خصوص الوجوب الأصلي بأن يكون اللفظ الدال على وجوب ذي المقدمة دالا على وجوب مقدمته ليكون الخطاب به خطابا بها أصالة كيف وفساد ذلك أيضا يشبه أن يكون ضروريّا فتنزيل كلماتهم على ذلك إرادة كما في كلام الفاضل المتقدم واحتمله بعض الأفاضل مما لا وجه له أصلا بل فاسد قطعا وعلى ذلك فلا ثمرة لإثبات تعلق الخطاب بها أصالة إذ بعد وضوح كون الخطاب بها غيريا كما مر لا يترتب عليها تركها عقوبة مستقلة حسبما عرفت وتعلق طلب الحتمي بها حاصل على الوجهين غاية الأمر اختلافهما في مدرك الحكم وذلك مما لا يترتب عليه ثمرة كما لا يخفى فالحق في تحرير محل النزاع في المسألة أن يقرر الخلاف في الوجوب الغيري التبعي فالقائلون بالوجوب يقولون بوجوب بكون المقدمة مطلوبة للشارع للتوصل إلى ذيها ويستفاد ذلك الطلب بحكم العقل بعد ملاحظة الطلب المتعلق بذي المقدمة والقائل بعدم الوجوب ينكر ذلك ويقول إنه لا تثبت للمقدمة سوى اللابدية المأخوذة في معناها أو يقول مع ذلك بثبوت الوجوب لها بالعرض على ما مر تفصيل القول فيه إلا أن يتعلق بها أمر من الخارج كالطهارة بالنسبة إلى الصلاة ونحوها مما ورد الأمر به من مقدماتها ثم إن لهم في المسألة أقوالا عديدة أحدها القول بوجوب المقدمة مطلقا وهو المختار وإليه ذهب المعظم من العامة والخاصة بل لا يعلم قائل بخلافه من الأصحاب ممن تقدم على المطلوب وحكاية الإجماع عليه مستفيضة على ما ذكره جماعة ويستفاد من تتبع مطاوي المباحث الفقهية أن ذلك من المسلمات عندهم وعن المحقق الدّواني دعوى الضرورة عليه وربما يستفاد ذلك من كلام المحقق الطوسي أيضا وقد حكى الشهرة عليه جماعة ثانيها القول بعدم وجوبها كذلك حكاه الفاضل الجواد والعضدي قولا وحكي في المنهاج أيضا حكاية ذلك ولم ينسبه أحد إلى قائل معروف بل نص جماعة من الأجلة منهم المصنف أما على جهالة القائل ثالثها التفصيل بين السبب وغيره حكاه في النهاية عن الواقفية وعزى القول به إلى السيد رحمه الله وليس كذلك كما بينه المصنف بل كلامه صريح في وجوب مقدمة الواجب المطلق مطلقا بل ظاهر كلامه أنه من الأمور الواضحة حيث لم يجعله موردا للتأمّل والإشكال رابعها التفصيل بين الشرط الشرعي وغيره ذهب إليه الحاجبي والعضدي في ظاهر كلامه ويحتمل ضم السبب إلى الشرط الشرعي إن ثبت بالإجماع على وجوب الأسباب أو كان القائل ذاهبا إليه والحاصل أنه يدور الأمر في التفصيل المذكور بين الوجهين خامسها التفصيل بين الشرط وغيره من المقدمات كرفع المانع وهذا القول غير معروف في أقوال المسألة إلى أن ظاهر العلامة في النهاية حكايته عن جماعة هذا وقد يتخيل لثمرة النزاع في المسألة أمور منها أنها تثمر في النذور والإيمان ونحوها كما إذا نذر الإتيان بواجبات عديدة فإنه يكفيه الإتيان بواجب واحد ومقدماته على القول بوجوب المقدمة بخلاف ما لو قيل بعدم وجوبها وكذا إذا نذر دفع درهم لمن أتى بواجبات شتى وهكذا وقد يشكل بأنه لا يبعد انصراف إطلاق الواجب في النذور وغيرها إلى الواجب المستقل دون الغيري التابع لوجوب الغير نعم لو صرح بإرادة الأعم صح ذلك إلا أنه فرض نادر على أن ذلك ليس من ثمرات مسائل الأصول إذ لا ربط له باستنباط الأحكام عن الأدلة فلا يعد ثمرة لعقد المسألة في عداد مسائل الفن ومنها استحقاق الثواب على فعل المقدمات والعقاب على تركها بناء على القول بوجوبها بخلاف ما لو قيل بعدمه وقد عرفت ضعفه لابتنائه على كون وجوب المقدمة نفسيّا لا غيريا وقد مر أن دعوى وجوبها كذلك موهونة جدا بل لا يعرف قائل به أصلا ووجوبها الغيري كما هو مذهب القائل بالوجوب لا يستلزم ترتب الثواب على فعلها ولا العقاب على تركها من حيث إنه تركها نعم يترتب الثواب على فعلها إذا أتى بها على الوجه الخاص كما مر ولا يتفاوت الحال حينئذ بين القول بوجوبها وعدمه ومنها لزوم ترتب الفسق على ترك المقدمات إذا كانت متعددة بحيث يقضي بصدق الإصرار المتفرع على الإكثار ولو اكتفينا في صدقه بمجرد العزم على معصيته أخرى ولو من غير جنسه جرى ذلك مع وحدة المقدمة أيضا بخلاف ما لو قيل بعدم وجوبها إذ لا عصيان حينئذ إلا في ترك نفس الواجب فإن كانت صغيرة لم يكن هناك فسق وإن تكثرت مقدماتها وفيه أن العصيان المترتب على ترك المقدمات على نحو العقوبة المترتبة عليها إنما يكون بالنظر إلى أدائها إلى ترك ذيها إذ المفروض كون ذات المقدمة من حيث إنها هي غير مطلوبة للأمر فلا يزيد العصيان الحاصل من جهة ترك ألف من المقدمات على العصيان المترتب على ترك الواجب لاتحاد جهة العصيان في الجميع على نحو جهة الأمر المتعلق بها فإن كلا منها إنما يتعلق الأمر به من حيث أدائه إلى ذيه فلا يزيد العصيان الحاصل بترك كثير منها على الحاصل بترك واحد منها وليس العصيان الحاصل بملاحظة مخالفة كل منها إلا من تلك الجهة الواحدة فلا يتجه جعل كثرة المقدمات المتروكة باعثة على حصول الفسق وصدق الإصرار مع اتحاد جهة العصيان واتحاد ما هو الواجب بالذات وما دل على حصول الفسق بالإصرار على الصغار ينزل على غير المعاصي الغيرية كما يشهد به الاعتبار الصّحيح فإن الظاهر منه تعدد وجوه العصيان مع حصول الإصرار وهو غير حاصل في المقام كما عرفت ومنها عدم جواز تعلق الإجارة بها على القول بوجوبها كغيرها من الأفعال التي يجب على المكلف الإقدام عليها مجانا بخلاف ما لو كانت غير واجبة إذ لا مانع حينئذ من تعلق الإجارة بها فيصح العقد ويستحق الأجرة المعينة بأدائها فعلى هذا لو حصلت له الاستطاعة الشرعية جاز له أن يوجر